نعم لضبط الإعلام …لا لتكميم الأفواه

لا نعرف أسماءهم ، ولطالما اشتقنا لسماع خبرٍ عن نتائج اجتماعاتهم ، هذا إن حدثت ، هكذا وعلى غير العادة وزراء الإعلام العرب وبدعوة من الوزير المصري يجتمعون ، وهذه المرة اجتماعاً استثنائياً ليضعوا النقاط على الحروف ، وثيقة تدعو إلى ضبط ما يبث عبر الفضائيات في الدول العربية ، هذا ما قيل عن ما خرج به الاجتماع، أما عن آليات التنفيذ فالله أعلم .

إن ما يبث عبر فضائياتنا أو الفضائيات الموجهة ألينا هذه الأيام أمورٌ منكرةٌ من قبل الجميع ولا تحتمل السكوت أو السكون ، فبالإضافة إلى استرسال بعض الفضائيات في بثها المتخصص والمتواصل للأفلام المصـــرية، والتي تثبت لنا كمشاهدين ويوماً بعد يوم،أنها مجرد أفلام ساذجة ،تركيزها منصبٌ إما على اللهو أو الإضحاك أو الانحلال وذلك بدلاً من أن تكون في خط التصدي الأول لما يحيط بأمتنا العربية من تهديدات ومخاطر ومطامع وبدلا من أن تكون الرائدة في حمل آمالنا وتطلعاتنا ونشر ثقافتنا الأصيلة عبر الأجيال الناشئة، بالإضافة إلى الأفلام السالفة الذكر ، يطالعنا كمٌ أكبر من فضائياتٍ أخرى ببثه المتواصل أيضاً ،لما يدعى أغاني “الفيديو كليب العصرية” ، أو بالأحرى ما يجب تسميتها ” العهر كليب ” ، ففيها التنكر لكل قيم وأخلاق وأديان المجتمعات العربية كلها على حدٍ سواء ، وبواسطتها وتحت عينك وبسمع من أذنك ، يتحول تلفازك الصغير و بضغطة زر ، إلى نافذة تطل على كباريه أو “بار ” ، تتلوى فيه الراقصات “المغنيات ” ويختلن في أحضان أشباه الرجال ، ويتلفظن بكلماتٍ وعبارات ٍ مغموسة بنبرات ونظرات وقحة .
ويا ليت أن فضائياتنا يتوقف بها الحال عند هذا الحد ، بل يطالعنا كمٌ آخر منها و غير الذي ذكر ، ببثه أيضاً و لنوع جديد من الابتكارات الشيطانية الغربية ، يبث ما يسمى بـــ ” فيديو الواقع” ، وكسابقيه لا يعبر هذا النوع بحق إلا عن دناءة من يقومون عليه وخبث نفوسهم أكانوا منتجين أ و ممولين .
نعم ، فهؤلاء يحرصون على جمع الشباب والبنات من كل دولنا العربية ، ينتقونهم انتقاءً في أوج أعمارهم وأعمارهن ، ويجمعونهم في مسكنٍ واحد ، وتحت سقفٍ واحد ، ليتشاركوا المأكل ،والمشرب، والمبيت ، والهدف المعلن من وراء ذلك ، إما تعليمهم الموسيقى ،أو الغنــــاء ،أو فنون الرقص ،أو حتى مساعدتهم في البحث عن شريك الحياة _فنِعمَ الشريك ، من تجده في تلك الأماكن !_ وكل ذلك وما يجري معهم من تفاصيل ، يُعرض مباشرةً أمام المشاهدين، ليعيش المشاهد المسكين التجربة ،ويشارك أبطال هذه البرامج أحلامهم وتطلعاتهم ، وليغير بعد رؤيته للمشاهد الواقعية قناعاته السابقة ، ويكف بعد ذلك ، عن تكرار مقولته المعتادة كلما صدم بمشهد معين، “مجرد أفلام وما يحدث حقيقةً غير ذلك ” .

و نوع آخر أو قل حزمة أخرى من الفضائيات ، تطالعنا ببثها وترويجها للثقافة الأجنبية الدخيلة لأبعد أبعد الحدود، حتى دعا الأمر ببعضها إلى استيراد نشرات أخبار المحطات الأجنبية ، كمحطة mbc4 والتي تبث نشرات أخبار محطة أي بي سي الأمريكية ، علماً بأن مثل هذه القنوات الأمريكية لا يعيرنا أي اهتمامٍ في نشراته ، وعندما يذكرنا ينعتنا بأننا إرهابيون !
ترى ما الهدف من هذه الفضائيات ؟
وهل هي يا ترى عربية؟ وماذا تريد منا ؟

لحظـــــــة ، قبل أن تُجب ، فللحديث بقية …..تجد في نفس حزمة mbc4 من يروج لنفس الثقافة ولكن بشكل آخر ، فهو من يعرض لك الأفلام الأجنبية ليل نهار و بالمجان ،يعرضها بما فيها من مشاهد ساخنة ، وحوارات جنسية بذيئة رخيصة ،لا تتناسب مع خصوصيات مجتمعاتنا العربية المحافظة وحتى مع غير المحافظة منها، وكأن من يبثها ويعدها لا يُلقي بالاً ولا اهتماماً ، لمن يجلس أمام شاشات التلفاز من صغارٍ وكبار و مراهقين وشباب حتى لو كانوا من أبنائه وبناته .

ويطالعنا نوع آخر أيضاً ، ويبدو أنه نوعٌ يستغل التكنولوجيا لأبعد الحدود ، فهو يسخرها لسلب أموال الناس”عينك عينك “، ببثه لبرامج النصب والاحتيال ، ويكون ذلك ببثه لبعض البرامج الملفقة التي يطلق عليها الثقافية، والتي برأيي لا تمت للثقافة بأي صلة أصلاً ، ففيها مزج دائم بوسائل الإغراء ،وميوعـــــة المذيعات ولباسهن ، أما عن طريقة التحايل فهي بعرض سؤال سهل ، يُطلب بعدها من المشاهد المسكين إرسال رسائله القصيرة على وجه السرعة ، أو أن يتصل بالفضائية لترك اسمه كي يكون من الفائزين ، ولكن ما يحدث بعد ذلك، هو أن يستلم الخطوط متصلين غرباء لا يفقهون شيئاً – أو هذا ما يبدو لنا – فيضيعون وقت البرنامج عمداً ، ويجيبون إجابات خاطئة ، ويماطلون و يماطلون ، ويخطف آخرهم نهايةً جائزةً وهميةً كبرى ، وتضيع بذلك الأموال على المشاهدين .

ولا يغيب عن بالنا نهايةً لذكر هذه الفضائيات ،أن نعرج على أمر ما يدعى شريط الرسائل القصيرة ، والذي أصبح جزءً لا يتجزأ من شاشة التلفاز هذه الأيام ، وهو الذي يستمر باستمرار فترة البث اليومية كتجارة رابحة دائمة للفضائيات وشركات الاتصالات ، ولكن ما يحدث هو عرض أو إفساح المجال لبعض المشاهدين كي يتبادلوا خبراتهم في طرح الجديد من الألفاظ السوقية العفنة وأفكارهم المهترئة ، وفي ذات الشريط أيضا ًيفسح المجال لتبادل ارقام الجوالات ، تحت مسميات براقة مثل تبادل الآراء ،أو التعارف البريء ،أو الحوارات الهادفة البناءة ، وكل ذلك أمام العيان من المشاهدين .

نعم ،إننا أمام كل ما ذكرت _ولعل المقام لا يتسع لذكر المزيد _في وضعٍ لا يطاق ، ولهذا فإننا بحاجةٍ بالتأكيد لضبط ما يبث عبر الفضائيات ، وحسبنا وحسبها أنها الأداة الإعلامية الأولى الفعالة ،التي تستطيع الوصول لكل بيت وفي كل وقت ، و يكفينا أيضاً أنها من تقتحم البيوت اقتحاماً ودون استئذان، فهي مرة تدخل علينا متسترةً بأسماءٍ جميلةٍ تختار بعنايـــــــــة ، ومرة أخرى تتخفى بين فضائيات أخرى حاملة نفس الاسم أو الشعار .

ولذا نتمنى أن يصب اجتماع وزراء إعلامنا العرب في هذا الاتجاه ، وأن يساعد قرارهم هذا في لجم الفضائيات الدخيلة، ونتمنى أن يكون هذا القرار شرارةً تشعل ناراً شعبية لا تنطفئ حتى تحرق الهشيم وتبقي الزرع الأخضر من الفضائيات ، ونمني النفس أيضاً أن لا يكون الهدف من وراء هذه الوثيقة وكما يقول الجميع ،تكميم أفواه الفضائيات الحرة الشريفة، التي تسير على نهج النقد البناء للحكام و المسؤولين ، ولعلنا و كمجتمعات عربية تعودنا على محاولات السيطرة وتكميم الأفواه من قبل الحكام فهذا أمرٌ أكثر من وارد .
وكائناً ما يكون ،فهذا الاجتماع والوثيقة برأيي يشكل فرصةً مهمةً جداً ،لتسليط الضوء على الفضائيات المنحلة ، وكشف القائمين عليها ، وخلق مقص رقيب جديد من صنع ٍ عربيٍ أصيل ليوغل في استئصالها وبتر برامجها الرخيصة ، وفرصةً أخرى أيضاً لنا نحن المشاهدين كي نقف بجانب إعلامنا الهادف البناء ، ونسانده وندافع عنه ونبرز دوره ونعلي شأنه .
ويبقى أن نقول ، دعونا نتفاءل بالخير دائماً فمن يتفاءل بالخير يجده ،وليستقر في أذهاننا وليكن في يقيننا دائماً ،أن إسكات الحق درب من دروب المحال .

There are no comments on this post

Leave a Reply