اجعلوها أياما للإنسانية

تمر علينا في كل عام أيامٌ أصبحت تدعى أعياداً ، أطلق عليها مبتكروها أسماءً جميلة ً جذابة ، وخصصوا لها مراسم ومظاهر فتانةٍ، راحوا يلهون فيها ويمجدونها…. حتى غدت جزءً لا يتجزأ من سياق حياتنا …. جعلوا منها عيداً للأم، وعيداً للمعلم، وعيداً للعامل، وعيداً للمرأة، وعيداً للحب، وعيداً للطفل، وعيداً للأسرة…. ليس هذا وحسب، بل أكثر و أكثر…..أعيادٌ أخرى بمسميات أخرى، وبطقوس أبهى وأغرب … فالناظر الى أيام السنة يرى كم هي مكتظةٌ بأعيادها، أن لم تغدُ جميعها أعياداً…. و لو قدر لهذا الناظر جدلاً، أن يكون من خارج الكرة الأرضية، لحسد سكانها على كثرة أعيادهم، أو لعله فكر حينئذ، في ترك موطن سكناه أياً كان، وأتى بنفسه إلينا، ليشاطرنا سعادتنا العفوية، وأفراحنا الأبدية الدورية…..
لكن الواقع غير ذلك …والصورة الحقيقية أبشع بكثير… هذه الأرض مثخنــةٌ بالجراح، مليئـةٌ بالظلم والظلاّم، ضيقةٌ على أهلهـا، يوماً تلو يوم، تزداد أوضاع أهلها سوءً فسوءً فبؤساً، ويكثر القتل فيها، والشرور والأشرار، وهي على هذه الحال مليئة بالمتناقضات…
كيف لا؟! ….
ونحن نرى ما يحدث بيننا، وليس ببعيدٍ عنا…في إفريقيا …وفي العراق …وفي فلسطين …وفي أفغانستان …وفي الشيشان … وفي كل مناطق القهر والظلم في هذا العالم …
ألا نرى أولئك الأطفال الجياع المرضى في إفريقيا ؟…هلاَ نظرنا إلى أحوالهم…و قارناها بأحوال إخوانهم البشر في أوروبا مثلاً، ورأينا الفرق! …ثم دعونا هناك، ولننظر إلى الجهل المتفشي في هذه القارة السمراء ، ولنقارنه بمستوى العلوم والمعارف، التي بين أيدي غير سكان هذه القارة من البشر، ولنر كيف كانت نتيجةُ قسمةِ تلك التركة البشرية المتراكمة، والتي شارك في الوصول إليها كل البشر _ إن لم يشاركوا فيها كباحثين شاركوا فيها كعينات _ …. كيف قُسمت بطريقة مجحفة، فهي حكر في أيدي بعضهم، حرامٌ على غيرهم، حتى لو ساروا في الأرض عراة…
ثم لننظر إلى أحوالنا هنا في فلسطين …ولننعم النظر إلى المحتل الذي لا يتوقف لحظةً عن إيذاء وقتل أصحاب الأرض … فهو في كل يوم، ينتهك الحرمات، ويستحل المقدسات ، وينهب الخيرات،والكل عنه في هذا العالم، ما بين داعمٍ ومؤيدٍ أو راضٍ …
ثم لننظر إلى ينبوع الدم ، بل شلاله المتدفق بلا انقطاعٍ في العراق، ..ولنتساءل أليس من يُقتل هناك هم من البشر أمثالنا، وأمثال قاتليهم ؟….ألم يكن لديهم أحلامٌ وآمال؟ …ألم يكن لهم بيوتٌ وأسرٌ وأطفال ؟…ثم لماذا يقتلون أصلاً؟ … ألم تكفل لهم كل الشرائع والقوانين المتعارف عليها، الحق في الحياة ؟…أم هم في نظر هذا العالم، ليس إلاّ مجرد أرقام ؟!…
دعونا ننظر إلى أي مكان في هذه الأرض، ولنلحظ بأم أعيننا كيف يستشري الظلم بين الناس ويُدعى عدلاً… ويُعاب الحق ويُدعى ذلاً…وتساق الضحية_لا المجرم _ إلى حتفها، ويُدعى ذلك نصراً …
ثم نظرةٌ أخرى إلى ظلاّم وطغاة هذا العالم ، كيف أصبحوا يلبسون لباس العُبّاد والتقاة …كيف يسيطرون بل ويستعبدون غيرهم من البشر… يحصدون ثمار عرق جبين البسطاء، ويسرقون لقمة العيش من أفواه الفقراء…لا، بل ويخرجون علينا في كل يوم، بقوانين جديدة لا تزيد القوي إلاّ قوةً، والضعيف إلاّ ضعفاً…طبعاً…فهي من صنع مبتكريها الأذكياء!…
لا أبحث عن المثاليات ، ولا عن خلود الذات ، وأدرك أنها الحياة، فرح وحزن ، وسعادة وألم ، وهي البداية ذات النهاية، وأنها الامتحان الأصعب ، الذي يحتاج إلى الجد والجلد والمثابرة … وأنه لابد من الموت …ولكن ….
ألا يحق لسكان هذه الأرض _وكل سكانها _ أن يعيشوا بأمان على نفوسهم وأرواحهم، ليس بعضهم بل كلهم ؟… ألا يحق لهم جميعاً، أن يستفيدوا من خيرات هذه الأرض وبشكل عادل ؟… ألا يحق لهم أن يدافعوا عن أنفسهم وممتلكاتهم ؟… ثم أليس من حقهم أن تتساوى فرص العيش أمامهم ؟ …أليس من حقهم أن يتخلصوا ممن زعم الوصاية عليهم، و يستعبدهم وهو بشرٌ مثلهم ؟… أليس من حقهم أن يعبّروا عن سخطهم وغضبهم ،إذا ما انتهكت مرةً حرماتهم ؟ أو سُرقت أقواتهم ؟ أو ديست كراماتهم ؟أو سُفكت دماؤهم ؟ أو انتقصت حقوقهم ؟…
إنََّ الناظر إلى أيام حياتنا ،يرى أن البشر فيها يضيعون أوقاتهم، ويستخفون عقولهم بأمور ثانوية لا تزيدهم إلا بعداً عن هدف الحياة، ومن هذه الأمور برأيي “كثرة الأعياد”…..كثرةُ الأعياد، التي لا تعبر بحق إلا عن عكس الحال التي نعيش، فهي تأتي وتذهب ولا تجلب جديداً سوى فرصٍ ومواسم لكسب التجار ، ومتسحاتٍ أوسع لتضييع الأوقات والأموال ، ولعلها طرقاً أدهى وأخفى، لصرف الناس وإلهائهم عما هو أهم وأنجى، استخدمها ويستخدمها أعداء الإنسانية وناهبو هذا العالم، الذين لا ينفكون عن وصف انفسهم بأنهم للحقوق حماة، وللخير والأخلاق رعاة …
إن الأحرى بنا كبشر أن نجعل مما سميناها أعياداً في حياتنا أياماً للإنسانية …نعم ،أياماً للإنسانية… وللبشرية جمعاء، أياما ًنتفكر فيها، نحن البشر، في سبب وجودنا وغايته…في سر الخلق وروعته …في خالقنا وقدرته… في رسائله وقرائنه البينة … في طرق الحلول ومناهج العيش الموجودة الشاملة… في الدلالات والظواهر الموحية … في ضعفنا وعجزنا … في إطراقنا، وعزوفنا، وصدنا للامتثال لله ولأوامره …. في جشعنا، وطمعنا …في ظلمنا وقهرنا لمن هم دوننا …
ألا تدعونا كل المصائب التي بيننا لذلك ؟… أم أننا ننتظر اجتراع المزيد ؟ لهذا ولكل ذاك فلنجعل من أيام أعيادنا وأيام عمرنا جميعها،أيامــاً للإنسـانية.

There are no comments on this post

Leave a Reply